
مجلة الجمعية “بحوث اقتصادية عربية“

صدر العدد الثاني من المجلد (35) من مجلة بحوث اقتصادية عربية في سبتمبر 2026، ويضم أربع دراسات بحثية تتناول مجموعة من القضايا الاقتصادية الراهنة، تشمل العلاقة بين الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية والنمو الاقتصادي، وسياسات الحد الأدنى للأجور والتشغيل، واستدامة الدين العام في مصر، وتأثير تخفيضات قيمة العملة على الميزان التجاري في ضوء فرضية منحنى J. ويعكس العدد اهتمامًا واضحًا بالقضايا المرتبطة بالنمو، وسوق العمل، والاستدامة المالية، والقطاع الخارجي في الاقتصادات العربية.
أولًا: الأبحاث العلمية
- “العلاقة بين الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية والنمو الاقتصادي في مصر والسعودية خلال الفترة (2000–2023): دراسة قياسية مقارنة”
الباحثون
د. علي عبد الوهاب نجا – أستاذ الاقتصاد، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، وعميد المعهد العالي للعلوم الإدارية المتقدمة والحاسبات بالبحيرة.
د. سمر سمير أحمد محمد – دكتوراه اقتصاد، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، ومدرس اقتصاد بكلية إدارة الأعمال، جامعة رشيد.
المنهجية
اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي القياسي باستخدام بيانات عن مصر والسعودية خلال الفترة 2000–2023. واستخدمت اختبار التكامل المشترك لجوهانسون، ونموذج تصحيح الخطأ المتجه (VECM) لقياس العلاقات الكمية بين الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية والنمو الاقتصادي في الأجلين القصير والطويل، إلى جانب اختبار جرانجر للسببية لتحديد اتجاه العلاقات السببية بين المتغيرات. كما تضمن النموذج متغيرًا تحكميًا يتمثل في نصيب العامل من رأس المال.
أهم النتائج
أظهرت النتائج وجود علاقة تكامل مشترك طويلة الأجل بين الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية والنمو الاقتصادي في كل من مصر والسعودية، مع وجود تداخل واضح بين المتغيرات الثلاثة. كما تشير التقديرات إلى علاقات إيجابية بين الأداء اللوجيستي والنمو الاقتصادي، وبين الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية، وبين القدرة التنافسية والنمو الاقتصادي.
وفي مصر، اتسمت العلاقات السببية بطابع ثنائي الاتجاه وتراكمي بدرجة أكبر، بما يعني وجود تأثيرات متبادلة بين المتغيرات على المدى الطويل. أما في السعودية، فكانت علاقات السببية في معظمها أحادية الاتجاه؛ حيث يؤدي النمو الاقتصادي إلى تحسن الأداء اللوجيستي والقدرة التنافسية، كما تؤدي القدرة التنافسية إلى تحسين الأداء اللوجيستي.
وبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي خلال فترة الدراسة نحو 5.9% في مصر و8.1% في السعودية، بينما بلغ متوسط نمو نصيب الفرد نحو 3.9% في مصر و4.8% في السعودية.
وأظهرت النتائج كذلك تأثيرًا إيجابيًا لزيادة كثافة رأس المال في العملية الإنتاجية على المتغيرات محل الدراسة. وفي التطبيق القياسي على مصر، تشير تقديرات النموذج إلى ارتباط ارتفاع مؤشر القدرة التنافسية المستخدم في الدراسة بنسبة 1% بارتفاع متوسط نصيب الفرد من الناتج بنحو 2.3%، كما يرتبط ارتفاع نصيب العامل من رأس المال بنسبة 1% بزيادة النمو الاقتصادي بنحو 1.3%.
وتشير الدراسة إلى أهمية تطوير الخدمات اللوجستية، وتحسين البنية الأساسية، وتنويع هيكل الإنتاج، لما لذلك من أثر في تعزيز القدرة التنافسية ورفع معدلات النمو الاقتصادي في البلدين.
- “أثر الحد الأدنى للأجور على التشغيل في الأردن والعوامل المؤثرة عليه: دراسة قياسية لسوق العمل الأردني 2000–2025”
الباحث
أ.د. إياد عبد الفتاح النسور – أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية.
المنهجية
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج القياسي، باستخدام نموذج الانحدار الذاتي للإبطاء الموزع (ARDL) لتحليل العلاقات قصيرة وطويلة الأجل بين الحد الأدنى للأجور والتشغيل في الأردن خلال الفترة 2000–2025. كما استندت إلى بيانات سنوية ثانوية صادرة عن مؤسسات وطنية ودولية رسمية، واستخدمت اختبار الحدود للتكامل المشترك، إلى جانب اختبار جوهانسون، للتحقق من وجود علاقة توازنية طويلة الأجل بين المتغيرات.
أهم النتائج
أظهرت النتائج وجود علاقة توازنية طويلة الأجل بين الحد الأدنى للأجور والتشغيل في الاقتصاد الأردني. وبلغت إحصائية F نحو 5.42، متجاوزة الحد الأعلى البالغ 3.49 عند مستوى دلالة 5%، بما يدعم وجود علاقة تكامل مشترك بين المتغيرات.
كما تشير النتائج إلى أن زيادة الحد الأدنى للأجور ترتبط بانخفاض معدل البطالة في الأجلين القصير والطويل. وقد جاء معامل الحد الأدنى للأجور سالبًا في نموذج الأجل الطويل، بما يشير إلى ارتباط زيادته بانخفاض معدل البطالة.
وأظهرت الدراسة كذلك أن النمو الاقتصادي، وارتفاع إنتاجية العمل، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي ترتبط بتحسن التشغيل، في حين يؤدي اتساع عرض العمل وزيادة العمالة الوافدة إلى ضغوط سلبية على سوق العمل.
وتؤكد الدراسة أن أثر سياسة الحد الأدنى للأجور لا يمكن فصله عن السياق المؤسسي والاقتصادي الكلي، وأن تحقيق التوازن بين حماية العمال وتعزيز فرص العمل يتطلب سياسات سوق عمل متكاملة تربط الأجور بالإنتاجية والنمو والحماية الاجتماعية.
- “الدين والتنمية في مصر: الجذور التاريخية والتحديات الهيكلية ومؤشرات قياس الاستدامة”
الباحثون
د. سارة محمد الخشن – أستاذ مساعد الاقتصاد، كلية إدارة الأعمال والاقتصاد والعلوم السياسية، الجامعة البريطانية في مصر.
الباحثة مها رشيد – مرشحة دكتوراه، الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
المنهجية
تقدم الدراسة تحليلًا تاريخيًا وهيكليًا لمسار الدين العام في مصر على مدى أكثر من سبعة عقود، مع التركيز على حجم الدين وتكوينه وآجاله ومصادر تمويله وأعباء خدمته، وربط ذلك بالتطورات المالية والنقدية وميزان المدفوعات وسعر الصرف. وتركز الدراسة على تحليل استدامة الدين ومصادر الهشاشة بدلًا من الاكتفاء بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر منفرد.
أهم النتائج
توضح الدراسة أن أخطر أزمات الدين العام في مصر لم ترتبط بالضرورة بأعلى مستويات نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإنما ارتبطت بدرجة أكبر بارتفاع أعباء خدمة الدين، وتفاقم اختلالات ميزان المدفوعات، وأزمات سعر الصرف. وتؤكد أن جوهر الإشكالية يكمن في ديناميكيات الدين وتكوينه وشروط خدمته، وليس في حجمه الاسمي وحده.
كما تكشف التجربة التاريخية أن الاستدانة لم تكن في كثير من الفترات جزءًا من استراتيجية تنموية طويلة الأجل، بل استخدمت بدرجة كبيرة لمعالجة ضغوط مالية ونقدية قصيرة الأجل. وفي المرحلة الراهنة، يزيد الاعتماد على الدين المحلي قصير الأجل وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية من مخاطر إعادة التمويل، ويجعل خدمة الدين من أكثر البنود ضغطًا على الموازنة العامة، بما يزاحم الإنفاق الاستثماري والاجتماعي ويقيد آفاق النمو.
وتشير الدراسة إلى أن تقييم الاستدامة يتطلب النظر إلى هيكل الدين وتكوينه ومخاطر إعادة التمويل، وقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات نقدية مستدامة، ومدى ارتباط الاقتراض بمسار نمو إنتاجي يعزز القدرة على السداد.
وبلغ إجمالي خدمة الدين الخارجي نحو 49.2% من صادرات السلع والخدمات والدخل الأولي وفق بيانات 2024، فيما تشير التقديرات الأولية لعام 2025 إلى ارتفاع النسبة إلى نحو 53.6%، بما يعكس تصاعد القيود التمويلية الخارجية.
كما تحذر الدراسة من الاعتماد المفرط على تدفقات المحافظ المالية قصيرة الأجل، لما يترتب عليه من ربط استدامة الدين بدورات السيولة العالمية وزيادة تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
أهم التوصيات
تدعو الدراسة إلى ربط الاقتراض بالتحول الإنتاجي المستدام، وتعزيز الانضباط المالي والتنسيق بين السياسة المالية والنقدية، وإطالة آجال الدين، وتقليل الاعتماد على إعادة التمويل قصير الأجل، وتحسين تعبئة الموارد المحلية، وتوجيه الاقتراض نحو الاستثمار والإنتاج وزيادة القدرة التصديرية، بما يسمح بالانتقال من إدارة أزمات الدين إلى حوكمة شاملة للدين العام ضمن استراتيجية تنموية طويلة الأجل.
- “هل تصمد فرضية منحنى J في ظل التخفيضات المتتالية لقيمة العملة؟ دليل من مصر خلال الفترة 2010–2025”
الباحث
د. محمد جابر السيد – أستاذ مساعد، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية.
المنهجية
تختبر الدراسة فرضية منحنى J في الحالة المصرية باستخدام بيانات ربع سنوية خلال الفترة 2010Q3–2025Q1، بإجمالي 59 مشاهدة. واستخدمت نموذج ARDL واختبار الحدود لـ Pesaran–Shin–Smith لدراسة العلاقة بين الميزان التجاري وسعر الصرف الحقيقي والطلب الخارجي.
ويمتد القياس ليشمل تجارة السلع والخدمات معًا، وليس تجارة السلع فقط، نظرًا للأهمية الكبيرة لإيرادات الخدمات في الاقتصاد المصري، وخاصة السياحة وإيرادات قناة السويس.
أهم النتائج
أظهرت النتائج وجود علاقة مستقرة طويلة الأجل بين الميزان التجاري وسعر الصرف الحقيقي. وبلغ معامل سعر الصرف الحقيقي في العلاقة طويلة الأجل نحو 0.912، وهو معامل معنوي إحصائيًا ولا يختلف بصورة معنوية عن الواحد الصحيح. وتشير هذه النتيجة إلى اتجاه تعديل يتسق مع شرط مارشال–ليرنر، دون أن تمثل اختبارًا مباشرًا للشرط ذاته في إطار النموذج المستخدم.
وبلغت سرعة تصحيح الاختلال نحو 45% في كل ربع سنة، بما يشير إلى سرعة نسبية في عودة العلاقة إلى مسار التوازن، مع نصف عمر يقترب من ربع سنة واحد.
ولا تدعم النتائج منحنى J التقليدي باعتباره تدهورًا أوليًا في الميزان التجاري يعقبه تحسن لاحق؛ إذ لا تظهر مرحلة التدهور الأولي بالشكل المتوقع، ويحدث التعديل بسرعة كبيرة، وهو ما تربطه الدراسة جزئيًا بالطبيعة السريعة لتسعير الخدمات.
كما ارتبط كل من تعويم 2016 وتوحيد سعر الصرف في مارس 2024 بتحول سلبي في الميزان التجاري خلال ربع التعديل نفسه، وهو ما تفسره الدراسة باعتباره تكلفة مرتبطة بتغيير نظام سعر الصرف أكثر من كونه جزءًا من آلية الأسعار طويلة الأجل.
وعند الاقتصار على تجارة السلع فقط، لم تظهر علاقة تكامل مشترك، كما لم يكن معامل العلاقة طويلة الأجل معنويًا، بما يشير إلى أهمية طريقة قياس الميزان التجاري في تفسير أثر تغيرات سعر الصرف. وتؤكد الدراسة أن هذا الاختلاف لا يثبت أن استبعاد الخدمات هو التفسير الوحيد لنتيجة تجارة السلع، لكنه يوضح أن تركيب التجارة عنصر مهم في تفسير الاستجابة.
وتمثل الخدمات عنصرًا محوريًا في الاستجابة؛ إذ بلغ متوسط مساهمة إيرادات الخدمات نحو 43.9% من إجمالي صادرات السلع والخدمات خلال فترة الدراسة، وتراوحت بين 33.6% و53.3%، وتتكون بصورة رئيسية من إيرادات السياحة وقناة السويس. كما تجاوزت مساهمة الخدمات نصف إجمالي الصادرات في عام 2023.
وتشير الدراسة إلى أن السياحة وقناة السويس والخدمات القابلة للتداول تمثل قنوات مهمة لانتقال أثر تغيرات سعر الصرف إلى الأداء الخارجي، مع استمرار الحاجة إلى تنويع الصادرات السلعية وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتغيرات السعرية.
الخلاصة
يعكس العدد الثاني من المجلد (35) توجهًا بحثيًا يركز على مجموعة مترابطة من التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقتصادات العربية، من خلال دراسة النمو والقدرة التنافسية، وسوق العمل، واستدامة الدين العام، والتوازن الخارجي.
وتبرز الدراسات الأربع أهمية الانتقال من معالجة المشكلات الاقتصادية بصورة جزئية إلى تبني سياسات أكثر تكاملًا وهيكلية. فتحسين الخدمات اللوجستية وتنويع هيكل الإنتاج يمكن أن يدعما القدرة التنافسية والنمو، بينما تشير تجربة الأردن إلى أن أثر سياسات الحد الأدنى للأجور على التشغيل يتأثر بصورة جوهرية بالسياق المؤسسي ومستوى الإنتاجية وأداء الاقتصاد الكلي.
وفي الحالة المصرية، توضح دراسة الدين أن استدامة الدين لا ترتبط بحجمه وحده، وإنما أيضًا بتكلفة خدمته، وهيكله، وآجاله، ومصادر تمويله، ومدى ارتباط الاقتراض بقدرة الاقتصاد على توليد موارد إنتاجية ومستدامة. أما دراسة منحنى J فتوضح أن أثر تخفيض قيمة العملة يتوقف بدرجة كبيرة على تركيب التجارة ودور الخدمات، وأن التحسن طويل الأجل في الميزان التجاري لا يعني بالضرورة تحقق النمط التقليدي لمنحنى J.
وبذلك يجمع العدد بين التحليل القياسي والتاريخي والمؤسسي، ويقدم أدلة تطبيقية يمكن الاستناد إليها في صياغة سياسات أكثر قدرة على دعم النمو المستدام، وتحسين كفاءة سوق العمل، وتعزيز الاستقرار المالي، ورفع القدرة التنافسية للقطاع الخارجي.
ويمكن الاطلاع على محتويات العدد عبر الموقع الإلكتروني للمجلة:
المجلد 35 العدد رقم (2) سبتمبر / أيلول 2026



